لماذا تفشل «المشاريع الوطنية» قبل أن تبدأ
انتهيت في المقال الثاني إلى خمسة اختبارات يتعين على أي بديل سياسي أن يجيب عليها معاً: منطقة السلاح، ومنطقة الدين، ومنطقة المال، ووثيقة انتقال محسوبة، وفصل الزمن السياسي عن الزمن الحضاري. وإذا عدنا إلى عشرات «المشاريع الوطنية» والبرامج الحزبية التي صدرت في العالم العربي خلال نصف قرن، وجدنا أنها تشترك في عيب واحد يسبق كل عيوبها: أنها مكتوبة كخطاب لا كهندسة.
الخطاب يقول ما نريد. الهندسة تقول من يفعل ماذا، بأي صلاحية، وبأي ضمانة إذا امتنع، وفي أي زمن. البرنامج الذي يقول «نؤمن بخضوع الجيش للسلطة المدنية» خطاب. النص الذي يحدد من يعين القادة، ومن يقر الميزانية بنداً - بنداً، وما الجزاء الدستوري لمن يخالف، هندسة. والفرق بينهما هو الفرق بين وعد وعقد.
المبدأ الأول: وثيقة واحدة لا تكفي
أول ما تكشفه محاولة الإجابة عن الاختبارات الخمسة معاً أنها لا تصلح لوثيقة واحدة، لأنها تعمل على ثلاثة أزمنة مختلفة. الاستقرار العاجل بعد أي تغيير يُقاس بالشهور. بناء المؤسسات يُقاس بالسنوات. أما الهوية والموارد وحقوق الأجيال القادمة فتُقاس بالعقود. ووضع الثلاثة في نص واحد يعني إخضاعها كلها لأقصرها أجلاً، وهو بالضبط ما حذر منه الخمسي في مثال الماء.
من هنا تنشأ معمارية من ثلاث وثائق منفصلة الوظيفة والزمن والقابلية للتعديل:
الأولى، وثيقة انتقال، تخاطب الزمن السياسي العاجل: كيف نخرج من الوضع القائم بلا انهيار، بمراحل محددة، وضمانات قابلة للتحقق لكل طرف بما في ذلك أطراف النظام القائم نفسها. هذه الوثيقة مؤقتة بطبيعتها وتنتهي بانتهاء مهمتها.
الثانية، الدستور، يخاطب الزمن المؤسسي: توزيع السلطات، وحسم مناطق التماس الثلاث بنصوص لا تحتمل التأويل، وآليات تعديل صعبة لكنها ممكنة.
الثالثة، وثيقة القيم أو المنيفستو، تخاطب الزمن الحضاري: من نحن، وما الذي لا يُباع ولا يُفاوض عليه مهما تغيرت الأغلبية؛ الموارد الاستراتيجية، والذاكرة، والسيادة المعرفية، وحقوق من لم يولدوا بعد.
الترتيب هنا ليس أولوية، بل تزامن؛ الوثائق الثلاث تُكتب معاً وتُقرأ معاً، لكن كل واحدة تُحصّن بدرجة مختلفة: الأولى تنتهي، والثانية تُعدّل بصعوبة، والثالثة لا تُعدّل إلا بإجماع يتجاوز أي جيل واحد.
المبدأ الثاني: حسم مناطق التماس بالنص لا بالنية
في منطقة السلاح، الهندسة تعني أربعة نصوص لا واحداً: حصر مهمة المؤسسة العسكرية في الدفاع عن الحدود؛ وإخراجها كلياً من النشاط الاقتصادي مع جدول زمني لتصفية ما تملكه؛ وإخضاع ميزانيتها للرقابة البرلمانية العلنية بنداً-بنداً؛ وتحديد الجهة المدنية التي تعين القيادات وتعزلها. أي برنامج يكتفي بالنص الأول وحده كتب وعداً لا عقداً.
في منطقة الدين، الخطأ المعتاد هو الاختيار بين قطبين: دولة تصادر الدين أو دين يصادر الدولة. والهندسة تبحث عن الحد الفاصل الدقيق: حماية النسيج الوطني من التوظيف الحزبي للدين، ومن التمويل الأجنبي للمؤسسات الدينية، دون أن تدخل الدولة في صدام مع تدين المجتمع نفسه. الخط الفاصل ليس بين الدين والدولة، بل بين التدين والاستقطاب.
في منطقة المال، النص المطلوب بسيط الصياغة صعب التطبيق: شفافية إلزامية لكل عقد عام فوق حد معين، وبطلان تلقائي لأي بيع لأصل عام استراتيجي يتم بقرار من سلطة الزمن القصير دون موافقة من مستوى الزمن الحضاري.
المبدأ الثالث: المنطقة الوسطى الممكنة
وثيقة الانتقال هي الاختبار الأصعب لأنها تطالب صاحبها بأن يهجر عقل «الصدر أو القبر». فهي تعترف بأن للنظام القائم أطرافاً لن تسلّم السلطة إذا كان البديل هو سجنها، وأن أي تحول سلمي يحتاج مخرجاً آمناً محكوماً بشروط، وأن العدالة الانتقالية توازن لا انتقام. هذا الكلام مرفوض عند كثيرين من الطرفين، وهذا بالضبط ما يجعله هندسة لا خطاباً: الخطاب يرضي جمهوره، والهندسة تحسب ما يصمد.
وأدين هنا للقارئ باعتراف شخصي. كاتب هذه السطور اتهم، قبل سنوات، من اقترحوا هذه الفكرة نفسها بالخيانة، وبصوت عال. ولم يغير رأيه تنازل ولا إغراء، بل تراكم الخبرة والتجربة والقراءة، الأمر الذي قاده إلى حلول ما زالت في فمه بطعم العلقم. وأعلم أن كثيرين سيرددون على مسامعي اليوم ما قلته بالأمس، وسأتقبل ذلك بصدر رحب، ليس لأن النقد لا يؤلم، بل لأن من يطالب أمة بأن تراجع عقلها الحدّي عليه أن يبدأ بمراجعة عقله هو، علناً.
المبدأ الرابع: التراكم والتدقيق بدل الإنشاء
أشار الخمسي إلى أن العالم العربي يستهلك الذكاء الاصطناعي في المصب لا في المنبع. وأخطر أشكال هذا الاستهلاك في مجالنا هو «المشروع النهضوي» المولّد آلياً: آلاف الصفحات المتناسقة اللغة، المتناقضة المضمون، التي لم يدقق صاحبها في تفاعل بنودها. الهندسة الحقيقية تستعمل الأداة بالعكس: لا لتوليد النص، بل لجرده، ومطابقة بنوده بعضها ببعض، وحصر ما يتناقض منها، ثم يقرر الإنسان. المشروع الذي لا يمكن لصاحبه أن يجيب عن سؤال «ما الذي يحدث لهذا البند إذا فُعّل ذاك البند؟» ليس مشروعاً بعد.
ما الذي لا يحسمه النص مهما أُحكم
الأمانة تقتضي قول ما لا تستطيعه الهندسة. ثلاث مسائل ستبقى مفتوحة في أي بديل مهما أُحكمت نصوصه. وليس الإقرار بها عنواناً للفشل؛ بل هو، على العكس، أول علامة على جدية المحاولة. المشروع الذي لا يعرف ثغراته لم يُختبر بعد، والمشروع الذي يعرفها ويعلنها يفتح الباب لمن يأتي بعده ليكمل. الحلول ليست سهلة ولا بسيطة، لكن البحث الجاد المتواصل عنها، فكراً وعملاً جماعياً يبني كل جيل فيه على ما تركه سابقه، هو ما يبرر التفاؤل بإمكان الوصول إليها يوماً.
الأولى: من يحمل الوثيقة؟ النص الأدق في العالم بلا كتلة اجتماعية منظمة تتبناه ورقة. والكتلة لا تُهندس، بل تُبنى في الزمن الطويل بالعمل والثقة.
الثانية: مفارقة الانطلاق. وثيقة الانتقال تحتاج طرفاً من داخل النظام القائم يقبل بها، ولا يوجد نص يجبر هذا الطرف على القبول. ما يمكن للنص فعله هو أن يجعل القبول أقل كلفة من الرفض، لا أن يفرضه.
الثالثة: تحصين الزمن الحضاري من الأغلبية الجارفة. كل نص يقول «لا يُعدّل إلا بإجماع» يمكن لأغلبية غاضبة أن تكسره في لحظة، والضمانة الأخيرة ليست في الورق، بل في ثقافة سياسية تعتبر الكسر عاراً. وهنا نعود إلى الحلقة الأولى: الحضاري والسياسي يحرس كل منهما الآخر، ولا يكفي أحدهما وحده.
خاتمة السلسلة
هذه الأسطر ليست تمريناً نظرياً. ثمة محاولة جارية منذ سنوات، بعقل هندسي لا خطابي، لصياغة بديل يجيب عن الاختبارات الخمسة معاً، بالمعمارية الثلاثية المشروحة هنا، وبالطريقة التي يُدقق فيها كل بند مقابل كل بند. وقد آثرنا في هذه السلسلة عرض المنهج قبل المشروع، لأن المنهج هو ما يمكن للقارئ أن يحاكمه اليوم، ولأن مشروعاً يُعرض قبل أن يكتمل تدقيقه ينتمي إلى المصب لا إلى المنبع.
بدأنا بسؤال «حضارياً أم سياسياً؟» وننتهي إلى أن السؤال الصحيح غيره: هل نملك، بعد قرنين، أن نكتب عقداً بدل وعد؟ وأن نقبل المنطقة الوسطى الممكنة بدل الصدر أو القبر؟ الإجابة ليست عند حاكم ولا عند ثائر، بل عند من يقبل أن يجلس إلى الطاولة ويحسب.
--------------------------------------
بقلم: أشرف أحمد عبداللطيف






